لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد أداة؛ بل أصبح أقرب إلى وكيل قادر على التعلم وتغيير سلوكه واتخاذ القرارات ضمن الأهداف التي نحددها له.
السكين أداة. يمكنك استخدامها لتقطيع الخضار، أو لطعن شخص. أنت من يقرر: هل ستستخدمها لإعداد الطعام أم لارتكاب جريمة؟
لكن الذكاء الاصطناعي مختلف. فهو أشبه بسكين تملك قدرًا من القدرة على اتخاذ القرار، بل ويمكنها أيضًا أن تساعد في إنتاج أدوات جديدة والتحكم بها.
وهنا تكمن إحدى أكثر النقاط إثارة للقلق. لم نعد نتحدث فقط عن أداة أصبحت أقوى، بل عن أداة يمكن أن نعطيها هدفًا، ثم نسمح لها بتولي جزء متزايد من التفكير والتخطيط والتنفيذ اللازم للوصول إلى ذلك الهدف.
تقول إحدى النظريات المؤثرة حول كيفية تمكن البشر من السيطرة على الكوكب إن اللغة كانت أحد أهم أسباب تفوقنا على الكائنات الأخرى. فقد مكّنتنا اللغة من نقل المعرفة والتخطيط والتعاون مع أعداد هائلة من البشر، وبناء مجتمعات ومؤسسات لم يكن من الممكن بناؤها من دونها.
ولفترة طويلة جدًا، كان البشر الكائنات الوحيدة القادرة على إنتاج اللغة واستخدامها بهذا المستوى. لكن بعد أن كان الإنسان الوحيد الذي ينتج اللغة بهذه الطريقة، ظهر سؤال جديد: من ينتج قدرًا أكبر من اللغة اليوم، الإنسان أم الذكاء الاصطناعي؟
ينقلنا هذا السؤال من الحديث عن التكنولوجيا وحدها إلى أسئلة تتعلق بمستقبل الإنسان. وقد بدأت نقاشات عالمية حادة حول أخلاقيات الذكاء الاصطناعي، كما بدأ كثير من الموظفين والعمال يشعرون بالخطر.
هل سيقضي الذكاء الاصطناعي على وظائفنا؟
إذا كان الذكاء الاصطناعي يستطيع بالفعل تنفيذ كثير من المهام الرقمية بكفاءة تقترب من كفاءة البشر، وبسرعة تجعل سرعة الإنسان تبدو بطيئة جدًا بالمقارنة، فهل ستبقى هناك حاجة إلى الموظفين البشر في المستقبل؟
ينبغي أن نتجاوز العبارة التي لا تستند إلى دليل كافٍ، والتي تحولت إلى شعار أجوف تقريبًا: «الذكاء الاصطناعي لن يستبدلك، بل سيكون مساعدك الذكي». هذه القضية تحتاج إلى نقاش أكثر واقعية.
قد تجعلك نظرة سريعة إلى التقارير الموثقة عن تقليص العمالة في شركات كبرى مثل Oracle وAmazon وMeta تشك في أن الذكاء الاصطناعي له دور في ذلك. صحيح أن معظم الشركات لا تذكر الذكاء الاصطناعي باعتباره السبب الوحيد، وقد تنتج تسريحات العمال عن عوامل مختلفة تمامًا. لكن من الواضح أن شيئًا ما يتغير، ومن ذلك الطريقة التي تفكر بها الشركات في عدد الموظفين الذين تحتاج إليهم لإنجاز العمل.
وربما يكون الجانب الأكثر خطورة هو التوظيف الجديد. فقد أشارت بعض الدراسات إلى تراجع توظيف فئات الشباب في وظائف معينة أكثر تعرضًا لتأثير الذكاء الاصطناعي، ما يجعل الموظفين المبتدئين من أكثر الفئات التي تستحق المتابعة.
المشكلة ليست فقط أن الذكاء الاصطناعي يتطور، بل أنه يتطور بسرعة تجعل التكيف مع هذا التغيير أمرًا صعبًا.
تخيل أنك مبرمج عادي تستخدم نموذج ذكاء اصطناعي ليساعدك في عملك. غبت شهرين، ثم عدت لتجد نموذجًا جديدًا من الشركة نفسها، صدر بعد بضعة أشهر فقط من النموذج الذي كنت تستخدمه.
تجربه، فتتفاجأ. النموذج الجديد أكثر قدرة بكثير، ويرتكب أخطاء أقل، وينجز العمل بسرعة أكبر، ويفهم طلباتك بسهولة، ويتعامل مع مهام لم يكن النموذج السابق قادرًا على التعامل معها.
نحن نتحدث عن نموذجين من الشركة نفسها، يفصل بينهما بضعة أشهر لا سنوات، ومع ذلك كان التحسن هائلًا. وربما لا يكون الأمر الأكثر إثارة للقلق هو الذكاء الاصطناعي نفسه، بل سرعة تطوره. فقد أصبح من الصعب فعلًا توقع شكل العالم بعد خمس سنوات فقط، لا بعد خمسين سنة.
ربما يجدر بنا أن نتأمل إجابة إيلون ماسك في مقابلة مؤرخة بـ...
> «بحلول عام 2030، سيكون الذكاء الاصطناعي أعظم بكثير من مجموع الذكاء البشري، ولن يكون هناك شيء لا يستطيع الذكاء الاصطناعي القيام به بصورة أفضل من البشر».
قد يكون مخطئًا، وقد تكون توقعاته مبالغًا فيها. لكن مجرد احتمال الوصول إلى ذلك المستوى من القدرة يجعل السؤال أكثر إلحاحًا.
إذا توقفت الشركات عن توظيف المبتدئين، فكيف سنحصل على الخبراء في المستقبل؟ لا أقول إن هذا سيحدث، لكنه افتراض يستحق الدراسة.
في سوق العمل، قد يكون الموظفون المبتدئون من أكثر الفئات عرضة لفقدان فرص الدخول إلى سوق العمل، أو لمطالبتهم بامتلاك مهارات كانت تُطلب تقليديًا من الموظفين ذوي الخبرة.
كان المسار التقليدي يبدو هكذا: تبدأ Junior، وتكتسب الخبرة، وتصبح Mid-level، ثم تكتسب مزيدًا من الخبرة وتصبح Senior. وقد تنكسر هذه الدورة إذا لم تعد الشركات بحاجة إلى المبتدئين، لأن الذكاء الاصطناعي يستطيع تنفيذ جزء كبير من عملهم بكفاءة أعلى.
فكيف سنحصل على Seniors في المستقبل؟ وهل سنحتاج إلى Seniors أصلًا؟ لقد جعل الذكاء الاصطناعي السؤالين قابلين للنقاش.
تكاد سرعة هذا التطور لا تصدق. ظهرت أولى المحركات البخارية العملية في بداية القرن الثامن عشر، واستغرق تطور تقنيات المحركات إلى أشكال جديدة عقودًا طويلة. أما اليوم، فتتغير نماذج الذكاء الاصطناعي تغيرًا كبيرًا خلال أشهر.
ظهر GPT في بداياته بوصفه عائلة من النماذج القادرة على التنبؤ بالنص وتوليده، وكانت قدراته محدودة جدًا مقارنة بما نراه اليوم. لكن انظر إلى ما تستطيع هذه النماذج فعله الآن. لقد حدث كل ذلك خلال فترة قصيرة للغاية.
وربما تكون هذه هي المشكلة الحقيقية: ليس فقط ما يستطيع الذكاء الاصطناعي فعله اليوم، بل ما قد يستطيع فعله بعد سنوات قليلة.
لكن ربما تكون هذه نظرة متشائمة أكثر من اللازم. فالقنابل وأسلحة الدمار الشامل الموجودة في العالم قادرة على تدمير كوكبنا مرات لا تحصى، ومع ذلك اختارت البشرية حتى الآن ألا تدمر نفسها. إن امتلاك قدرة استثنائية لا يعني بالضرورة نهاية العالم.
وكما أدرك البشر أهمية استخدام الطاقة النووية لتوليد الطاقة بدلًا من استخدامها لتدمير بعضهم بعضًا، فقد يجدون طريقًا إلى استخدام الذكاء الاصطناعي بأفضل صورة ممكنة.
قال Sam Altman، المدير التنفيذي لشركة OpenAI، عندما سُئل عما يسعى إلى تحقيقه بالذكاء الاصطناعي: «أعتقد أن هذا قد يكون أعظم منتج تكنولوجي في تاريخ البشرية، لكنه لا يصبح ذا قيمة إلا إذا تمكن من جعل حياة الناس أفضل».
تقول الرؤية المتفائلة إن كل إنسان سيمتلك جنيًا قادرًا على تحقيق الأمنيات. وربما يكون أول ما ينبغي للبشرية أن تطلبه من هذا الجني هو أن يقدم أشياء تعود بالنفع على البشرية جمعاء.
لا يرى Sam Altman بالضرورة أن الذكاء الاصطناعي سيدمر عمل البشر. بل يتوقع وجود عدد كبير جدًا من الوظائف، ويعتقد أن البشر في المستقبل قد يكونون أكثر انشغالًا مما هم عليه اليوم.
وهنا يصبح الموضوع أكثر تعقيدًا. قد يكون الذكاء الاصطناعي فعلًا أعظم أداة صنعها الإنسان، وقد يكون الجني الذي يمكّن كل شخص من فعل أشياء لم يكن قادرًا عليها من قبل.
لكنه قد يكون أيضًا أول نوع من الأدوات لا نستطيع أن نتوقع بثقة شكل العالم بعد أن تصبح قدرته أكبر من قدرتنا في عدد متزايد من المجالات.
هل نحن أمام أداة ستجعل البشر أقوى من أي وقت مضى، أم أمام أول أداة قد تجبرنا على إعادة تعريف معنى أن يكون الإنسان هو الكائن الأذكى على الكوكب؟

